ابن أبي الحديد
77
شرح نهج البلاغة
بقيامه ، والأزلي لا يصح ذلك فيه ، وكذلك اطلاق لفظة ( لولا ) على الأدوات والآلات يجنبها التكملة ، ويمنعها من التمام المطلق ، لان لفظة ( لولا ) وضعت لامتناع الشئ لوجود غيره ، كقولك لولا زيد لقام عمرو ، فامتناع قيام عمرو إنما هو لوجود زيد ، وأنت تقول في الأدوات والآلات وكل جسم ما أحسنه لولا أنه فان وما أتمه لولا كذا فيكون المقصد والمنحى بهذا الكلام على هذه الرواية بيان أن الأدوات والآلات محدثة ناقصة ، والمراد بالآلات والأدوات أربابها . الوجه الثاني قول من رفع ( القدمة ) و ( الأزلية ) و ( التكملة ) فيكون كل واحد منها عنده فاعلا ، وتكون الضمائر المتصلة بالافعال مفعولا أولا ، و ( منذ ) و ( قد ) و ( لولا ) مفعولا ثانيا ، ويكون المعنى إن قدم الباري وأزليته وكماله منعت الأدوات والآلات من اطلاق لفظة ( منذ ) و ( قد ) و ( لولا ) عليه سبحانه ، لأنه تعالى قديم كامل ولفظتا ( منذ ) و ( قد ) لا يطلقان الا على محدث ، لان إحداهما لابتداء الزمان والأخرى لتقريب الماضي من الحال ، ولفظة ( لولا ) لا تطلق الا على ناقص ، فيكون المقصد والمنحى بهذا الكلام على هذه الرواية بيان قدم الباري تعالى وكماله ، وانه لا يصح أن يطلق عليه ألفاظ تدل على الحدوث والنقص . * * * قوله عليه السلام ( بها تجلى صانعها للعقول ، وبها امتنع عن نظر العيون ) ، أي بهذه الآلات والأدوات التي هي حواسنا ومشاعرنا ، وبخلقه إياها ، وتصويره لها ، تجلى للعقول وعرف ، لأنه لو لم يخلقها لم يعرف ، وبها امتنع عن نظر العيون ، أي بها استنبطنا استحالة كونه مرئيا بالعيون ، لأنا بالمشاعر والحواس كملت عقولنا ، وبعقولنا استخرجنا الدلالة على أنه لا تصح رؤيته ، فأذن بخلقه الآلات والأدوات لنا عرفناه عقلا ، وبذلك